
1 ـ محاولة لقراءة المشهد .
=========
الحرب الامريكوـاسرائيلية على ايران,كشفت ـ على الاقل ـ الى الان ، ان النظام الايراني كان ومازال جد مخترق على جميع المستويات . لقد تبين بوضوح أنه منكشف على المستوى الإستخباراتي بالخصوص. وهذا ما جعله لا يقوى على حماية قيادته ومراكزه الحيوية ، والافضع من ذلك ان سماءه مستباحة من طرف سلاح الجو المعادي ، مما يؤكد ان هذا النظام لم يتمكن حتى من ترتيب الاولويات .
امام هذه المعطيات التي تبرز ضعف إدارة النظام لامكانياته وسوء ترتيبها . يجعلنا نتساءل :
هل ننتظر اعلان النظام الايراني استسلامه ام ان امريكا ستنزل المارينز الى البر لتغييره او لاسقاطه ؟ او اننا سنرى تدبير انقلاب من الداخل الايراني ؟ او اشعال حرب أهلية يكون من شأنها تدمير مقدرات البلاد وقد تؤدي الى تمزيق وحدتها و نشأة كيانات عرقية مستقلة؟
انها اسئلة بالغة التعقيد ، ساحاول مقاربتها باختصار شديد و بحيادية تامة .
ان ما كشفته العمليات الجارية، هو ان هناك اختراقا استخباراتيا واسعا . مكن من اغتيال قيادات بارزة ومنها راس الدولة وضرب منظومات الدفاع الإيرانية، وهذا يكشف هشاشة أمنية حقيقية. غير أن النظام لا يزال يمتلك:
.قدرات صاروخية وعسكرية تقليدية معتبرة رغم ما تضرر منها.
. يمتلك عمقاً استراتيجياً في الجغرافيا والسكان ( اكثر من 80 مليون نسمة)
.شبكة من الحلفاء والوكلاء الإقليميين، وإن تراجعت كفاءتها
. يمتلك برنامجاً نووياً وصل إلى مراحل متقدمة جداً يُعقّد حسابات خصومه
وهذا ما يجعل سيناريو الاستسلام الرسمي مستبعدا لأسباب بنيوية عميقة:
. النظام الإيراني يستمد شرعيته الداخلية جزئياً من خطاب المقاومة والصمود أمام الغرب وإسرائيل. ـ الاستسلام الرسمي يعني انهيار هذه الشرعية قبل أي تدخل خارجي. والتاريخ الإيراني — حتى في عهد الشاه — يُظهر شعباً يرفض الإذعان تحت الضغط الخارجي حتى عندما يختلف مع نظامه
.اما سيناريو التدخل البري وإسقاط النظام.
هذا الخيار ، تواجهه عدة عقبات تجعله جد مكلف ومن المستبعد تبنيه لان :
ـ إيران ليست العراق ولا أفغانستان؛ فهي دولة بحجم أوروبا الغربية بتضاريس جبلية قاسية، وجيش نظامي مع حرس ثوري مدرّب على حرب العصابات، وشعب لديه ذاكرة الحرب مع العراق ثمانية أعوام. والتجربة الأمريكية في العراق وأفغانستان رسّخت في الوعي الاستراتيجي الأمريكي درساً مؤلماً: فالغزو البري لدول كبيرة مشروع لا نهاية له. أي أن الإدارة أمريكية ستدفع ثمناً سياسياً باهظاً داخلياً إن أقدمت على ذلك.
اما فيما يخص سيناريو الانقلاب العسكري ، هذا الخيار ممكن لكنه مثير للنقاش و يصطدم بإشكاليات بنيوية:
. النظام الإيراني بنى هندسته الأمنية بوعي كامل على مبدأ الفصل والتوازن بين المؤسسة العسكرية النظامية والحرس الثوري والأجهزة الاستخباراتية، لمنع أي انقلاب. فالحرس الثوري ليس مجرد جيش بل هو كيان اقتصادي وسياسي وأيديولوجي . مما يجعل محاولة الاختراق الانقلابي تحتاج إلى وقت أطول لبناء الشبكات الداخلية، نجاحه اذن ضعيف الاحتمال حتى مع الاختراق الاستخباراتي الواسع .
. و سيناريو الحرب بالوكالة ودعم المعارضة
هذا هو الخيار الأكثر واقعية في المدى المنظور، وقد يجرى تجريبه بأشكال مختلفة:
ـ منظمة مجاهدي خلق كانت ولا تزال أداة ضغط تستخدمها واشنطن وتل أبيب.
الأقليات القومية كالكرد والأذريون والعرب الأحوازيون والبلوش ، تمثل خطوط توتر داخلية يمكن تفعيلها. لكن هذا الخيار أيضاً له محدوديته؛ لا ن المعارضة الإيرانية حتى الآن لا تملك قاعدة شعبية وطنية واسعة و موحدة. فكثير من الإيرانيين يرفضون النظام لكنهم يرفضون في نفس الوقت ، التدخل الأجنبي في شؤون بلادهم.
ويظهر ان السيناريو الأرجح هو الضغط التدريجي، حتى يقبل النظام بالشروط او يتنازل في إطار التفاوض.
وهذا ما يجعل القراءة الأكثر قربا من الواقع . تؤدي بنا الى القول : إن المسار الممكن هو استمرار استنزاف الامريكان والاسرائليين للنظام عبر:
الضربات الجوية لتدمير البنية التحتية العسكرية والنووية، مقترنة بالحصار الاقتصادي والعقوبات المتصاعدة، والاختراق الاستخباراتي لإضعاف القيادة، والدعم للتوترات الداخلية . كل ذلك بهدف إجبار طهران على التفاوض من موقع ضعف، لا بالضرورة إسقاط النظام كلياً.
الولايات المتحدة في تجاربها التاريخية كانت دائماً أقدر على إضعاف الأنظمة المعادية من إدارة مرحلة ما بعد إسقاطها. وما تجب الإشارة اليه هو ان الفوضى الإيرانية لن تخدم المصالح الأمريكية في منطقة تعيش أصلاً حالة من عدم الاستقرار.
خلاصة القول هو ان الوضع قد يتجه على الأرجح نحو معادلة هجينة: لا استسلام رسمي ولا تدخل بري واسع، بل استنزاف ممنهج يُفضي إما إلى تغيير جوهري في سلوك النظام الإيراني تجاه الملف النووي والنفوذ الإقليمي، أو إلى انهيار تدريجي من الداخل تحت ثقل الضغوط المتراكمة. ـ. والسؤال الذي يقلق صانع القرار الأمريكي أكثر من غيره ليس “كيف يتم اسقاط النظام” بل “ماذا يأتي بعده”. دون ان ننسى حقيقة أن النظام الايراني ظل عنصرا هاما في إستراتيجية امريكا الخاصة بتدجين الأنظمة الخليجية ومجموع دول المنطقة. الا انه حاليا فقد المكانة التي تؤهله لذلك . وهناك تكهنات وتحليلات ترشح اسرائيل لدور القوة الإقليمية بعد انطفاء شعلة ايران .
محمد الغزاوني
في فاتح مارس 2026.
Mobadara الرئيسية