
4ـ مواقف المغرب وشعبه من القضية الفلسطينية ؛ اكبر من مزايدات جنرالات الثكنات وكابرانات المواقع .
ــــــــــــــــــــــــ
كما جاء في الحلقات السابقة من هذه المساهمة . كان المغرب – في اجتماع مجلس السلام الذي ترأسه السيد ترامب – قد أعلن من خلال كلمة وزيره في الخارجية السيد ناصر بوريطة ، تعهداته والتزاماته الرسمية اتجاه غزة و القضية الفلسطينية . وقد كان ذلك بلغة صريحة و واضحة وشفافة ومتزنه . والى حد اليوم فإن تلك الكلمة هي مصدرنا الوحيد حول مساهمة المغرب تلك والتي تتوخى دعم جهود اعادة الاعمار والاستقرار والتمهيد لاطلاق عملية سلام حقيقية تؤدي الى حل الدولتين وتاسيس برنامح احتماعي لمواجهة الكراهية و تعزيز قيم التسامح .
بهذا الموقف اكد المغرب بقوة انه يربط بين الاعمار والمسار السياسي و ابعاده الانسانية . لكن هناك العديد من المزايدات على المغرب ومهاجمته بسبب مساهمته هذه . و كان من بين اصحاب هذه المزايدات ، جزائري له موقع اليكتروني يبث من لندن . حيث ” تدفق” بصبيب عال من الاستهداف للموقف المغربي، تناوله بالتحريف والتحريض والتشويه . فنسب للمغرب ما قاله بوريطة وما لم يقله.. حيث ادعي ان المغرب ، سيقوم بالاشراف على مناهج التعليم في غزة ، وانه سيعيد النظر في مراجع التعليم . اي الكتاب المدرسي، ليحارب الكراهية ، موجها السؤال للمغرب قائلا دون أدنى تحفظ : ماذا ستقول للتلاميذ والطلبة الفلسطينيين في الكتب التي ستوزع ،؟ اتريد ان تقول لهم ان اسرائيل جميلة !!! ؟ او تقول لهم عليكم ان تحبوا اسرائيل والحكومة الاسرائيلية ونتنياهو ومن معه !!!؟. واستمر في خطابه التحريضي ضد المغرب ، لينتقل الى توجبه الكلام الى الشعب المغربي وهو الشعب الذي احتضن قضية فلسطين واعتبرها قضيته الوطنية، وهو الشعب الذي علمته التجارب كيف يحافظ على استقرار بلده و كيف يكون بارا بها . وذلك بقوله إن موقف المغرب فيه استخفاف بمواقف الشعب المغربي قبل أن يكون بالمسلمين . وواصل تحامله الحاقد الى القول بأن مبالغات النظام المغربي تذهب حدا يتجاوز بعض الاسرائيليين .
قبل أن اتطرق للرد على هذا النمط من التراهات ومقاصدها الخبيثة . ساقوم بالرد على المتسائلين والمعترضين عامة. واعود للتذكير بثوابت موقف المغرب ، كما جاءت على لسان السيد الوزير ناصر بوريطة . وكما فهمتها .
ان خيار مشاركة المغرب في آلية إعادة إعمار غزة التي يعيش سكانها أحوالا إنسانية مأساوية . ارتفع في مواجهته صوت يقول: إن مشاركة المغرب في أي مجلس دولي لإعادة الإعمار – حتى لو كان بمبادرة من دونالد ترامب – تعد اصطفافا غير مبرر .وليس في صالح قضية فلسطين .!!!
لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح بالمقابل ، أمام الرأي العام بوضوح هو: هل الانسحاب من هذه الآلية سيخفف معاناة الانسان في غزة؟
لا نحتاج الى دليل لاثبات ان الانسحاب لا يوقف آلية دولية تعرف طريقها للتنفيذ في منطقة مضطربة و منهكة وشعبا طالت معاناته المريرة مع محرقة اجرامية بشعة . ومقاومة صامدة لكنها جريحة و محاصرة .
أما المشاركة ، فهي على الاقل تضمن وجود صوت داخل دائرة صنع القرار… فالمنطق السياسي السليم هو ذلك الذي تعبر عنه القولة الشهيرة : “ما لايدرك كله لا يترك بعضه “. فدروس السياسة كما سبق القول، تعلمنا ان نعمل على تقليل الخسائر و تحقيق الممكن . فنحن لسنا “قوة( ضاربة )حتى تفرض ما نريد من الاختيارات ”
فالمشاركة ، وفي وضعنا الراهن .هي أداة لتحقيق الممكن وليست اصطفافاً وراء اي كان . ومسؤولياتنا تكمن في أن نتواجد أمام الواقع ، لا أمام شعارات مرتفعة السقف ، والتي لا تتناسب مع ما نستطيع فعله .
ولهذا ، فالدول تحاسب بنتائج أفعالها ، لا بدرجة حدّة خطابها . فهناك رؤساء بعض الدول هددوا بتحريك جيشهم اذا فتحت أمامهم الطريق الى غزة . لكن اين هم الان من غزة .!!!
إذا كانت المشاركة تفتح نافذة لإدخال إسمنت لبناء مستشفى، أو تمويل لإعادة إسكان آلاف الأسر، وتدريب الكوادر الغزية لادارة امن واستقرار المجتمع . فإن الامتناع لا يُعد فضيلة في حد ذاته.
الموقف الأخلاقي الحقيقي هو الذي يخفف الألم فعلياً، لا الذي يكتفي بإلادانة من بعيد..
هذا من باب الرد على السؤال: ما الافيد . هل المشاركة في مجلس السلام ام المقاطعة والانسحاب .
اما فيما يتعلق بحملات كابرانات المواقع وخاصة تلك التي تبث من لندن . وكذلك صاحب الحلق والصوت المرتفع الذي يوزع الصفات والاحكام والتصنيفات على شاشته باللون الازرق.
فان الرد على هذا الرهط وخاصة شيطنتهم لموقف مغربي نبيل ، يتوخى الدعم النفسي لاهالى غزة الذين يعيشون كوابس مجازر مرعبة . من خلال برنامج اجتماعي ثقافي يتوخى محاربة الكراهية وتعزيز التسامح . الرد على هؤلاء سوف لن يكون من طينة اساليبهم الحاقدة . ذلك ان موقف المغرب يتضمن في بنيته عناصر الدفاع عن نفسه ، ويفحم مهاجميه . فالمغرب عندما عبر عن نيته تقديم برامج ثقافية ودعم نفسي لفائدة سكان غزة فان مهاجمى هذا الموقف وحملاتهم التبخيسية وتحريضهم. تضعهم امام سؤال بسيط مفاده: هل يحق لمن يدعي انه يدافع عن الضحية ، ان يهاجم كل مبادرة تخفف عنها ؟ وهل منطق السلام يقبل بان يواجه بخطاب الكراهية ؟
ان مواجهة الكراهية و تعزيز قيم التسامح ،ليست ترفا زائدا بل انها دعم نفسي كبيرا لاناس تحت الصدمة الجماعية التي هي اخطر واقوى اثرا من الدمار المادي . انها تتعلق بجيل يعيش دائرة الالم والغضب .
فأن تعلن المساهمة في هذا العمل الانساني ، بمحاربة خطاب الكراهية لايعني انك تسعى الى تبرير الوحشية بل تؤسس لاتخاذ موقف سليم وثابت والبحث عن الاساليب الممكنة للتخلص منها . من الجميل ان يكون هذا الامر موضوع نقاش منطقي سليم حول مضامينه و الكيفية الفعالة لتنفيذ ه . لكنه من غير المقبول ان نتجه الى التبخيس والتخوين والتحريض . فمن حق اي كان ان يعبر عن رفضه للمبادرة وانتقادها . لكن غير السليم هو تحويلها الى مادة للتحريض والتجييش .
وهنا يتعين على هؤلاء الانتباه ، الى ما غرقوا فيه من تناقض . واسالهم : هل يصح ان نهاجم الكراهية بالكراهية دون ان نقع في تناقض منطقي واخلاقي؟ .
فلا يمكن الدفاع عن غزة بلغة تعمق الانقسام وتؤجج الاحقاد . فلسنا هنا بصدد غزة و اسرائيل بل الدائرة اوسع بكثير . تشمل مكونات وتيارات المجتمع الفلسطيني والمحيط العربي والدولي …
ان من يهاجم مبادرة انسانية بلغة التحريض والتخوين ، يسقط في التناقض مع ما يدعيه .
فاذا ما كانت المبادرة غير كافية او انها ناقصة في نظر اي كان . فعليه اقتراح البديل وليس تحويل كل فعل الى مؤامرة . فغزة ليست ملكا لاحد وليس لاي كان احتكار تعريف التضامن . ان هؤلاء يريدون تحويل آلام اهل غزة الى منصة لتصفية حسابات وتصريف احقاد ، لا شان لغزة بها .
فهؤلاء لا شان لهم بادبيات السلام ولا يستطيعون فهم ، ان من يريد السلام يجب ان يبدا بتخفيض درجة الكراهية في خطابه . فالسلام لا يبنى بالصراخ والتهديد ، بل باطفاء النار لا بصب الزيت عليها.
ليس مطلوبا من اي احد . بما في ذلك صاحب موقع لندن . ان يصفق لاي مبادرة ، لكن من غير المقبول اخلاقيا ان نحول مبادرة تعلن محاربة الكراهية ، وتقديم دعم نفسي لاطفال ونساء غزة، الى مادة للتحريض والتشهير والتخوين. فمن يدعي انه مع غزة فعليه ان يكون مع انسانها اولا ، وان لا يسعى لتحويل معاناته الى ساحة تنافس سياسي من اجل تحقيق ” الامجاد” بمعارضة المبادرات كاسهل طريق، بدل مناقشتها بموضوعية والمساهمة في تجويدها . وان كان هناك اعتراض فليكن بواسطة نقاش عقلاني . كأن يتناول الجدوى والاليات الاصلح . لا اعلان عداء لا شان لغزة به … ان غزة لا تحتاح فقط الى الاسمنت والبيانات السياسية”المنتفخة ” بل الى ترميم الانسان الذي عاش تحت القصف والصدمة . و مساعدته على التئام جراحه النفسية العميقة .
وخلاصة القول ان الذين تربوا فكريا وسياسيا في احضان بيئة سياسية موبوءة . لا يمكنهم فهم ان المبادرات الانسانية والعمل الانساني والثقافي لايمكنها ان تلغي المواقف السياسية … ان حملات التبخيس ليست دفاعا عن غزة بل تدخل ضمن صراع له طبيعة اخرى .
وهكذا فان مواقف المغرب و شعبه الثابتة من القضية الفلسطينية ، اكبر من مزايدات جنرالات الثكنات وكابرانات المواقع الاليكترونية .
محمد الغزاوني .
في : 27 فيدبراير 2026
Mobadara الرئيسية