الانتخابات واشكاليات المشهد الحزبي بين القانوني والسياسي .

انتخابات المغرب.. حروب افتراضية وجيوش إلكترونية | سكاي نيوز ...

في افق الاستحقاقات الانتخابية التي ستعرفها بلادنا خلال سنة 2026. اود ان اطرح امام المتتبعين محاولة للفهم وليس الادانة ، كمساهمة متواضعة ، بروح وطنية خالصة . عساها تساهم في توضيح الرؤية ، وفي اثارة الانتباه الى ما اراه شخصيا ، امرا كبير الاهمية .
فكما يعلم الجميع ان احزابا سياسية قامت بتقديم اقتراحاتها المتعلقة بالتعديلات القانونية التي امر بها جلالة الملك وكلف السيد وزير الداخلية بهذا الملف . واذكر هنا انه سبق لي ان ساهمت بقولي ان القوانين الانتخابية ،مسالة لها اهميتها .مستدركا بالقول ان هذه القوانين والمساطر تبقى مسألة تقنية ، والحال ان الموضوع يتطلب ارادة سياسية في الاصلاح ، اذ ان الاصلاحات القانونية او التقنية وحدها غير كافية لاصلاح اختلالات لها طابع سياسي.
و خاصة تلك الاختلالات التي يعاني منها المشهد الحزبي في البلاد . وهذا هو اصل الداء وعقدة الاشكال .
فمن غير المقبول ان نتحدث عن انتخابات نزيهة وديمقراطية اذا لم نعالج ما يعانيه المشهد الحزبي ، واذا لم نتوفر على ارادة سياسية حقيقية وعلى اجراءات مستعجلة وسليمة لتدبير الحقل الحزبي في بلد ياخذ بالتعددية . وهذا يفرض مقاربة الموضوع طمن منظور يجمع بين القانوني و السياسي والسوسيولوجي.
والمنطق الموجه لهذا الراي كما سبق القول ، هو منطق الفهم لا الادانة .
صحيح ان بلادنا تتوفر على قوانين ومساطر منظمة للاحزاب السياسية ، تتضمن مقتضيات هامة ، وصحيح ايضا ان هذه القوانين موضوعا للعديد من المؤاخذات وليست خالية من الاعطاب . ومع ذلك فان الملاحظ عمليا ، ان هناك تسامحا اداريا في تطبيق القوانين مما شجع بعض “الزعماء” على اعتبار الحزب ملكا خاصا واعضاؤه هم كم بشري تتمظر فيه قوة الزعيم و حضوره . وهذا التسامح او التغاضي الادارى لا يحتاج ان نعطي الدليل على وجوده . وخاصة ما يتعلق ب:
* المؤتمرات غير المنتظمة
* الاشكالات التنظيمية الداخلية .
* ضعف الديمقراطبة الداخلية اونعدامها الا ما كان من الشكليات المشوهة للعمل الحزبي .
* ضعف اوغياب الشفافية فيما يتعلق بمالية الحزب . فحتي بعض التقارير المالية يتم تحريرها خارج اجهزة الحزب وحتى الشكلية منها.
* عدم احترام العهدات ورفض مبدأ التداول على القيادة والالتفاف على ذلك باساليب ملتوية اصبحت جد مكشوفة .
* وضع قواتين اساسية و داخلية على المقاس، وتشكيل قيادات ليس بالضرورة ان تتوفر على المؤهلات .واحيانا يكون ذلك خارج الاجهزة . بحيث ان اعضاء القيادات في بعض الحالات لايعرفون بعضهم البعض .
هذه الحالة تدل على ان هناك تناقضا بين مضامين النص القانوني ومرونة الممارسة . وهذا ليس امرا عرضيا ، وانما ذو دلالة سياسية ، سواء كان ذلك مقصوظا ام عفويا .
لا يمكننا الا ان نفهم هذا السلوك الاداري، الا بكونه شكلا من اشكال التوافق غير المعلن ، بين الادارة و قيادات حزبية . وهذا التوافق ليس تعاقديا، بل اقرب الى ما يسمى في علم الاجتماع السياسي: “توافقا انضباطيا ” حيث ان الادارة تتغاضى عن اختلالات بنيوية داخل احزاب ، مقابل انضباط قياداتها للسقف السياسي والابتعاد عن النقد المزعج.
نفهم من ذلك ان الادارة لا تريد احزابا قوية ، وفي نفس الوقت لاتريد الغاءها بالكامل .
ففي مراحل سابقة من تاريخنا . شاهدنا اعادة تربية الاحزاب عبر آليات القوة والدمج او الاقصاء.
اما اليوم ، فاننا أمام اعادة هيمنة ناعمة عبر ترك الاحزاب تضعف ذاتيا بالقبول و بقيادات مستهلكة وضعيفة التمثيل . والتساهل في فرض الاصلاحات القانونية الحقيقية على الاحزاب . هو اسلوب لاتقاء فرز نخب سياسية تحمل
مشاريع و مواقف مجتمعية وتنموية قد لا تتلاءم مع التوحه المرغوب فيه .
وهذا التساهل او المرونة ، ليست من باب الديمقراطية ، وانما قد تدخل من جهة: ضمن النهج” الضبطي” الناعم . فتفعيل القانون قد يؤدي الى ازمات وتشنجان او الى حل احزاب . اما التغاضي والتسامح ، فقد ينظر اليه فب اطار ما يمكن تسميته : “منطق عقلنة الضعف الذي ينتح لنا احزابا متهالكة وغير ديمقراطية ومنقسمة حول ريع الدعم العمومي ومردودية التزكيات و غيرها من المنافع الممكنة . هذه الاحزاب تكون اقل قدرة على تعبئة المجتمع ، وقابلة لان يتحكم فيها.
ومن جهة اخرى ، تسمح بالحفاظ على صورة التعددية الحزبية ، وعلى انتخابات منتظمة دون كلفة سياسية عالية او مفاجئة غير محسوبة .
لكن ما ثمن هذا الوضع ؟
ان هذ الوضع له اثمان على مختلف المستويات وفي مختلف المجالات . ولعل اقل ما يشار اليه و باختصار شديد هو :
1- على مستوى المواطن : العزوف وفقدان الثقة في الاحزاب و المؤسسات وفي جدوى المشاركة و في العمل السياسي .، وهو امر له ثمن اكبر مما يتصور .
2- على مستوى الحزب السياسي : فقدان او تآكل القدرة على التعبئة والتاثير ولعب دور الوساطة و ممارسة مهام الوظائف الاقتراحية وانتاج الافكار . الى حانب ضعف الشخصية وهشاشة التنظيم وطغيان المصالح الذي يجلب عناصر فاسدة تسيء لمصداقية الحزب .
3- على مستوى الادارة نفسها والدولة بصفة عامة . سواء على المدى المتوسط او المدى البعيد . ستجد الادارة نفسها عارية امان المجتمع وفاقدة لادوات الوساطة وخاصة خلال الازمات الاجتماعية . فتتحمل الادارة ما لا يجب ان تتحمله قانونيا و سياسيا .وقد راينا في عدد من الاحتجاجات الاجتماعية رفض المحتجين للاستماع لزعماء الاحزاب السياسية . وهذا من الاعباء الثقيلة التي من غير المقبول ان تتحملعا الادارة .
خلاصة القول ؛ ان اصلاح قوانين ومساطر الانتخابات مسألة تقنية ، ورغم اهميتها ، فانها وحدها ليست بذلك الاصلاح الذي سيرمم الاوضاع وينتقل بتحربتنا الديمقراطية و الحقوقية نحو الافضل والتخلص من الاعطاب او على الاقل التقليل منها.واخطرها اختلالات المشهد الحزبي. امام تلك المفارقة غير المقبولة الكامنة في صرامة النص القانوني ومرونة التطبيق. فالقوانين المنظمة للاحزاب ، رغم ما تتضمنه من مقتضيات زجرية وآليات ضبط ، فاننا نجد انفسنا امام نمط من التسامح الانتقائي اتجاه خروقات واختلالات تنهش المؤسسة الحزبية التي هي في حقيقتها مؤسسة عامة وليست كما يسميها البعض : ” حانوتا اومتجرا سياسيا خاصا” يؤمه اصحاب الاطماع … هذا التسامح يمكن فهمه بانه شكلا من اشكال التوافق الضمنى ، وغير المعلن بين الادارة وقيادات حزبية من اصحاب المتاجر السياسية حيث تمارس الادارة سلطتها ، لا عبر الاكراه المباشر ، و انما من خلال ما سماه المفكر و والفاعل السياسي الايطالي : “انطونيو غرامشى” بالهيمنة القائمة على القبول والرضى اكثر ما هي قائمة على آليات الاجبار .
وفي هذا السياق ، تظهر الادارة بانها غير مهتمة ببناء احزاب قوية . انما تسعى الى المحافظة على المعادلة الكامنة في اطروحة المفكر ” جويل ميغدال ” حول : الادارة القوية والمجتمع ااضعيف .حيث يتم
ضبط الفاعلين الوسطاء بدل تمكينهم .
وهذه الاطروحة يمكن فهمها بانها تجليا لما يسميه “بيير بورديو”: العنف الرمزي ، اي ان يكون القانون قائما في شكله الردعي .و دون تفعيله بالكامل ، مما ينتج انضباطا ذاتيا او ممارسة رقابة ذاتية داخل الاحزاب ، بلساليب مختلفة ، كالتقرب من السلطة و التزلف لمراكز القرار . والادارة تجد نفسها غير محتاجة الى تدخل مفضوح .
وبهذا المعنى يمكن فهم تدبير الادارة للحقل الحزبي بانه عرف انتقالا من اعادة التربية المباشرة الى اسلوب اعادة الهيمنة الناعمة . حيث يتم تدبير ضعف الاحزاب بدل تصحيح اوضاعها ، حفاظا على واجهة التعددية السياسية لكن دون المخاطرة بانتاح فاعلين سياسيين قادرين على اعادة تسييس المجال ، واعادة تشكيل موازين القوة بالمجتمع. وهكذا قد نجد انفسنا امام سلطة تقوم بادارة السياسة اكثر مما تسمح بممارستها . والاحزاب تتكيف بدل ان تقاوم . والوضع يبقى راكدا فاقدا للدينامية … انه اسلوب الهيمنة الناعمة بدل القمع المباشر .
وكاي مواطن له غيرة على بلاده وفي مستوى ادراكه للامور . لا بد ان يرى بان مصلحة البلاد تتطلب اعادة النظر في هذه الوضغية ، انطلاقا من اصلاح المشهد الحزبي . فلا يمكن بناء ديمقراطية دون احزاب فاعلة وقوية ، تتمتع بثقة المجتمع . وتتوفر على الاطر القادرة على تعبئة المجتمع ، و انتاج المشاريع والمخططات التنموية التي من شأنها اعادة الثقة والحماس للناس . ذلك في اعتقادي المتواضع ما يتعين التوجه اليه ، اذا اردنا ان تشهد بلادنا انتخابات نزيهة سياسيا وليس فقظ تقنيا واعلاميا … انتخابات لا تقتصر نتائجها على الاتيان بمنتخبين جدد من بعض تلك العينات الى رايناها ونراها حاليا في مجالسنا التمثيلية والتبدي تاتي خاوية الوفاض الاما تعلق بالاطماع … انتخابات تكون لها مردودية تتصف بالايجاب على كافة المناحي الوطنية . ويكون من شانها – وهذا هو الاهم- اعادة تصالح المغاربة مع السياسة والاحزاب السياسة ووضع حد للعزوف وسد المنافذ في وجه الفساد ، بكل اشكاله ، بما في ذلك الفساد السياسي الذي تتفرع عليه كل الاشكال الاخرى من الفساد . فهو الارضية التي تسمح بتنامي الفساد و تربك الاوضاع وتشرع الابواب امام الاستثمار في عدم رضى المجتمع ، ولعل تجربة جيل زاد التي تم تحريكها عبر العالم الازرق بشعارات وجدت لها اصداءا متجاوبة في مجتمعنا . ان هذه التجربة لكفيلة بان تكون اقوى منبه للجميع .

محمد الغزاوني

رئيس جمعية مبادرة للمواطنة والحقوق

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*