في اطار محاولة فهم اطروحة الدكتور عبد الله ساعف ، حول السياسة في المغرب ، التي جاءت ضمن درس افتتاحي معنون ب”علم السياسة بالمغرب : السلطة و المسؤولية الفكرية ” حيث عبر الاستاذ ساعف عن رؤيته لواقع السياسة ، واصفا حالتها بانها تراجعت عن مكانتها وفقدت مركزيتها ، وتراجعت او انزاحت الى الهوامش ، عكس ما كانت عليه خلال الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات ، ناعتا اياها بانها ” نزلت الى قسم الهواة “.
في محاولة الفهم هذه تناولت في قسمها الاول مسألة ” انحدار السياسة وفقدان مركزيتها”.
وفي هذا القسم الثاني ساتناول انتقال الاحزاب السياسية من منطق” الترية السياسية الى منطق الهيمنة”.
فكما هو معروف في تاريخ بلادنا ، وخاصة بعد نهاية الحماية الفرنسية وعودة الملك الشرعي المغفور له محمد الخامس وولي عهده طيب الله ثراهما ، من المنفى . اشتغلت الدولة المغربية بمنطق التربية السياسية وتعليم المغاربة ومحاربة الامية ، استدراكا لما حرمت منه البلاد في ظل الحماية ، وبناء احزاب وطنية ، واعتبار السياسة اداة تعبئة و وسيطا بين الادارة والمجتمع . وقد كان الصراع السياسي حقيقيا وقويا ، و رغم ما شاب تلك المرحلة من انزلاقات اختلفت الاراء في تقييمها ، فان السياسة كانت وسيلة لتأطير المواطن وادماجه في الحياة العامة ، ونشر الوعي في المجتمع .
وقد كانت وقتها التعبيرات السياسية للاحزاب واضحة وملائمة للحساسيات المجتمعية . حيث كانت الاحزاب خلال هذه الفترة ، وخاصة الاحزاب ذات المرجعيات الايديولوجية الواضحة “يسارية ، قومية ، وطنية ومحافظة ” . كانت السياسة عندها تقوم على تكوين النخب في مجال الفكر السياسي والتاريخ والاقتصاد ، وقضايا الدولة والمجتمع . و نشر الوعي لدى المناضلين وعموم الشعب . الى جانب اقتراح بدائل وبناء الوعي النقدي ، والقدرة على النقاش والاختلاف داخل الحزب وكذلك مع الحساسيات المتواجدة في الساحة . و كانت هذه الاحزاب تعتبر اعضاءها فاعلين سياسيين قادرين على صنع المواقف ، لا مجرد تابعين سلبيين ومنفذين لما ياتيهم من تعليمات “فوقية”….
وكان الانخراط في الحزب مرتبطا بمشروع مجتمعي . وليس فقط الاطماع الانتخابية . بهذا المعنى كان الحزب مدرسة سياسية ، تكون المناضل وتؤطر المجتمع . وحسب علمنا ، لم يكن هناك دعما عموميا للاحزاب كما في الوقت الراهن . لقد كانت الاحزاب تغطي مصاريفها بمساهمات من اطرها ومناضليها ومناصريها. وربما ذلك ما ساهم في وقايتها من الاختراق .
هذه الحالة تراجعت لفائدة ما يمكن تسميته الهيمنة . ووقع تحول كبير تمظهر في العديد من الامور، ومنها تراجع التكوين الفكري لفائدة التعبئة الانتخابية حتى ان الاحزاب اخذت تغلق مقراتها بمحرد انتهاء الانتخابات .بعد ان كانت دائمة النشاط .
وبدل النقاش الافقي والمساهمة في انتاج المواقف تحولت الاحزاب الى منطق الخطاب الواحد والولاء العمودي للقائد ، وهذا ما يقترب مما يسميه المفكر الايطالي المعروف : انطونيو غرامشي ، بالهيمنة وليس الاقناع ، عبر السيطرة و الزعامة والامتيازات والاغراءات لضبط السلوك وتدجين العقول . فالامين العام لحزب مغربي باعتباره الماسك بالسلطة الحزبية والمانح للتزكية والموزع للمهام والمناصب والمخاطب للادارة . نجده، عندما يحاول تجديد الحماسة، يلمح الى ان الحزب سيجعل من الاتباع برلمانيين ووزراء وسفراء وغيرها .
اما مالية الحزب ، ومصادرها وطرق التصرف فيها . فانها في وقتنا محاطة لدى العديد من الاحزاب ، بسرية محكمة ، وموضوعة في غرفة مظلمة والاطلاع عليها يعد امرا محفوظا للقائد . اما المؤتمرين فانهم لا يساهمون في افتحاص التقرير المالى بل يوافقون عليه كما سمعوه من مقدم التقرير دون ان تكون قد افتحصته لجنة للمراقبة بكل جدية وموضوعية . والقانون الاساسي والداخلي وغيرها يتم تمريرها . وقيادات الحزب في حالات كثيرة لا تنتخب كلها مباشرة من المؤتمر و الغريب اننا لم نسمع بقيام الادارة بافتحاص مالية الاحزاب كما تفعل مع جمعيات المجتمع المدني والمجالس المحلية .باستثنا ما تقدمه الاحزاب الى مجلس الحسابات وما يتعلق بتمويل العمليات الانتخابية …
يظهر ان هذا التحول الكبير او القفزة النوعية لوضع الاحزاب ، تدخل ضمن اختيارات مقصودة ، ونتيجة لتوجه للادارة الى:
// 1- تفريغ السياسة من محتواها وتحويلها الى الى محرد تدبير تقني او انتخابي لاغير …
// 2- الصعود القوي للادارة مقابل احزاب ضعيفة ؛ رغم ما في هذا الموقف من خطورة على الدولة . حيث ان قوة الدولة كما هو معروف لدى الجميع تكمن في قوة كل مكوناتها ومؤسساتها واجهزتها .ومن ضمنها المؤسسة الحزبية . وغير خاف ان اضعاف الاحزاب والنقابات وتهميش الجمعيات واختراقها ، يصبح مدخلا للتشويش على الدولة وتصنيفها ضمن الدول غير الديمقراطية .
// 3- تآكل الايديولوجيات وبروز البراغماتية الفارغة مكانها .
// 4- تغيير علاقة المجتمع بالسياسة ( العزوف – الفردانية- فقدان الثقة)
هكذا انتقلنا من مرحلة الحزب كاداة لانتاج الوعي الى وسيلة لضبط الاتباع و تحريك الاطماع في المكاسب المادية .وتحول المناضل من ناقد ومساهم الى تابع ومنضبط وطامع . ولعل هذا من بين اسباب ضعف النقاش الداخلي في عدد من الاحزاب ، وسيطرة الخطاب الواحد والاوحد. فهو الذي يعرف ما يقول حتى لايغضب السلطة . وكل من تكلم من الاتباع قد يتهم بانه مثير للفتنة او انه يتآمر على ” الزعيم ” او القائد الملهم . وهذه الحالة نجدها منتشرة اكثر بين بعضا من الذين اسسوا احزابا من خلال عملية انفصالية عن احزاب أخرى .
هكذا اذن نجد انفسنا امام غياب للمشاريع الاجتماعية التي تركت المجال للاهداف الانتخابوية . والتحول من الحزب المدرسة الى الحزب الآلة. ومن الحزب كاداة لخدمة الوطن وتحقيق انتظارات الشعب الى جهاز لخدمة المصالح الضيقة للافراد . وهذا ما يمكن تسميته بالفساد السياسي الوظيفي الذي يسمح بخلق نخب سياسية ضعيفة وغير قادرة على ان تكون فاعلا متحررا ومستقلا . و ذلك ما يسمح بطرح السؤال :
لماذا نشاهد استمرار ادانة الفساد على مستوى الخطاب والتوقف عن اصدار نصوص قانوتية تجرمه وتفكك الشروط السياسية التي تنتجه .؟
غني عن البيان ان الفساد ، اذا كان آلية لتدجين النخب ، فان اللاسياسة اعتمدت كآلية لاعادة الهيمنة بعد مرحلة التربية ، فقد كانت البلاد في حاجة الى المواطن المسيس . لكن فيما بعد ظهر التحول نحو الحاجة الى المواطن المسير . وهذا ما انتقل بالسياسة من بعدها التربوى التحررى . الى بعدها الهيمني التدجيني المتصالح مع الفساد الذي يستفيد من منطق الهيمنة ، الذي تحولت معه القضايا الاجتماعية لتصبح فقط كملفات تقنية ومؤشرات ، وتم استبدال التقاش السياسي بمنطق الاقصاء بلغة :” هذا لاشان لكم به وليس لكم الحق في الخوض فيه ” وهذا فيه وجه من وجوه الدفع بالسياسة الى الهامش … فالهامش هو المجال الامن في زمن اعادة الهيمنة .
اذن ، انزياح السياسة الى الهامش هو بمثابة اعلان انتهاء زمن التربية وحلول الهيمنة مكانه . ليغيب المناضل العضوي وتضعف قيم الزعامة . وتتحول الادارة نحو تدبير الهيمنة خارج السياسة . وجدير بنا ان نوضح، باننا لسنا امام الغاء السياسة . وانما امام موقف توظيفها كالية ضبط رمزي . حيث انتقلت مراكز القرار الى مجالات محصنة من متاهات الصراع وتنازع التمثيل .
محمد الغزاوني رئيس جمعية مبادرةللمواطنة والحقوق
في ثاني يناير 2026.
Mobadara الرئيسية