على هامش اطروحة الدكتور عبد الله ساعف : انحدار السياسة وفقدان مركزيتها ..1..

أحباء الدكتور عبد الله ساعف

الدكتور عبد الله ساعف استاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة محمد الخامس بالرباط والوزير السابق . والذي اشتغلت تحت اشرافه في قطاع التربية الوطنية ، اتابع كتاباته وارائه باستمرار ، واجدها ذات مضامين مفيدة. من هذ الموقع ساحاول تناول اطروحته الاخيرة ، حيث قال ان السياسة ، تعرف انحدارا كبيرا وفقدت مركزيتها ،كما كانت في الستينات وانزاحت الى الهامش .

ننطلق في تناولنا لفهمنا لهذه الاطروحة من طرح السؤال المباشر التالي :
كيف نفهم وضع السياسة ومميزات المشهد السياسي في سياق مغربي يتميز بوجود حوالى 30 حزبا سياسيا وبظاهرة ضعف الثقة في السياسة والسياسيين ؟

لمحاولة الفهم نبدأ بوضع كلام الدكتور ساعف في اطار سو سيولوجي سياسي اوسع من عدد الاحزاب وتوزيعها العجيب ومن الخطابات ” السياسية” التي تعرفها الساحة المغربية ، ليشمل بالخصوص موقع السياسة الفعلى داخل بنية السلطة والمجتمع في المغرب . وسنتناوله عبر الخطوات التالية :

//1- ماذا يعني فقدان السياسة لمركزيتها ؟
من خلال ما اعرفه عن سعة الرؤية التي يتميز بها فكر الدكتور ساعف ، ومن خلال ضوابط علم الاجتماع السياسي عموما ، اعتقد بان مركزية السياسة لاتقاس بعدد الاحزاب أو بالانتخابات المنتظمة ، بل بمدى قدرة السياسة على تجديد الخيارات الكبرى . فكما هو معلوم وما تقتضيه طبيعة الاشياء ، السياسة مجال يتسم بالشمولية . وميدان فعلي للصراع والتفاوض بين مختلف المشاريع الاجتماعية، حتى يمتلك الفاعل السياسي هامشا معقولا من القرار والتاثير في الاقتصاد والسياسات العموية . و السياسة الخارحية في اطار الاحترام للاختيارات الكبرى للدولة .

ولعل هذا ما يؤدي بنا الى القول بان حديثنا عن فقدان السياسة لمركزيتها ، يعني ان السياسة لم تعد هي المجال الذي تحسم فيه القرارات الحاسمة .بل غالبا ما تكون مجالا للتدبير أو” التبرير” . بحيث لم يبق فيها للتدافع الاجتماعي والسياسي اي معنى . فقد افرغ من معناه و من جاذبيته .

//2- التعدد الحزبي او الكثرة العددية بلا فائدة او بلا سياسة .
فوجود حوالى 30 حزبا سياسيا لا يدل على حيوية سياسية ، لا نظريا ولاعمليا ، بل على العكس مفارقة سوسيولوجية ، تجعل الامر ينحصر في تعددية شكلية ، ولا علاقة لها بالتعبيرات الحقيقية، ولا بمكونات المجتمع المغربي ولا بالحساسيات اوالمرجعيات التي تخترق هذا المحتمع . مما جعلنا امام برامج متشابهة وخطابات تكاد تكون فاقدة للتمايز الحقيقي او المبني على مرجعيات واضحة .الا ماكان من شعارات تسطو على المشترك الشعبي، بهدف الاستقطاب الانتخابي .

وعليه فانه يحق لنا القول بان اكثرية من الاحزاب لا تمثل تعبيرات اجتماعية واضحة (طبقية ،فكرية او ايديولوجية ) خاصة وان هناك احزابا نشأت في اطار عملية انفصال او عمليات ولادة قيصرية بدواعي متعددة ، كما وقع على سبيل المثال في حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي ومنظمة العمل والحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية . واخرى صنعت في احضان الادارة ( احزاب الادارة )ولم تنشأ من خلال تطلعات و متطلبات التدافع الاجتماعي، ولا حاجة لنا بالحديث عن بعض حالات النشاة بدوافع الطمع في الحصول على نصيب من الكعكة .

فبدل ان يكون التعدد آلية للدمقرطة و يساهم في تنظيم الصراع السياسي والارتقاء به بما يخدم النهوض بالتجربة الديمقراطية المغربية والارتقاء بالممارسة السياسية وتخليقها بما يخدم رفاه الشعب والقضايا الوطنيةالكبرى، وتعزيز مكانة البلاد على المستوى الدولى، ويضمن قوة وديمومة الاستقرار . تحول هذا الى اداة لافراغ السياسة من مضمونها ، وانعاش العزوف بدل انتاج الاقبال على المشاركة . وبذلك ضعفت امكانية بلورة معارضة قوية وانتاج مشروع بديل . اما الموالاة فقد ساهمت سياساتها ، في خلق ارضية لانتشار الفساد بكل انواعه ومنه الفساد الانتخابي وتضخم حالات تضارب المصالح ، ولعل ذلك ما رفع من منسوب عدم الرضى  و ضعف الثقة .

//3 – تحول مركز القرار من السياسة الى ما يمكن تسميته بتكنوقراطية رجال الاعمال .
من خلال فهمي المتواضع لأطروحة الدكتور ساعف ، انه من تمظهرات ازمة السياسة ان القرارات الكبرى اصبحت تصنع خارج الحقل الحزبي ، وتتولاها دوائر تقنية غير منتخبة هي اقرب الى منطق و مصالح وتطلعات الاعمال . فحتى معطيات وتوجيهات مؤسسات الحكامة اصبحت غير ذات قيمة ولا يعتد بها ، بل تكون موضوع رفض وانتقاد .وفي هذا الواقع فان العديد من المتتبعين يرون بان البرلمان والحكومة ينفذون القرارات بطريقتهم ، بدل صناعتها . وتحولت القضايا الاجتماعية والسياسية مثل الفقر والعدالة والتعليم والصحة الى ملفات تقنية تصنع لها الارقام وتوضع لها المؤشرات ، بعيدا عن الحقائق الموضوعية، بفضل ” نباهة مكاتب البحث والدراسات” كما يقال لنا . واصبح بارزا ذلك التنافر بين الخطاب والمعيش اليومي، او بلغة بعض المناطقة ، اصبحنا امام اتساع الهوة بين ” المفهوم والماصدق ”
وهذا ما يجرد السياسة من بعدها القيمي فاصبحت اداة بلارؤية وبلا اختيارات ذات مضامين اجتماعية .

//4- عندما يكون الفساد السياسي نتيجة وليس سببا :
ان اتساع الحديث عن الفساد اصبح بغطي مساحة شاسعة في اهتمامات المغاربة . وهذا لايمكن فصله عما أصاب السياسة من تهميش . اي عندما تصبح السياسة بلا تاثير حقيقي ، وبلا افق للتغيير ، و تتحول عند البعض الى وسيلة للريع والكسب والترقي الاجتماعي بتدبير المصالح الفردية والعائلية .

//5- ازمة الثقة هل هي انسحاب اجتماعي من السياسة ؟
اعتقد ان مسالة ضعف الثقة ليس موقفا ، نفسيا بل هو سلوك اجتماعي عقلاني ، ان لم نقل موقف سياسي رافض لواقع ” غير مقبول” ويتجلى ذلك فيما سبقت الاشارة اليه من:
– مشاركة انتخابية جد ضعيفة
– عزوف عن الانخراط في الاحزاب . خاصة وان بعض الزعماء يبحثون عن اتباع او ما يشبه المريدين للشيخ، لا عن مناضلين .
– انتقال الاحتجاج و الصراع الاجتماعي والحركة المطلبية الى الشارع او الى الفضاء الرقمي . ولعل هذا ما نفهم منه ، ان المجتمع المغربي لم يتخل عن السياسة ، بل ان السياسة هي التي تخلت عنه . . .
مما سبق يمكن لنا القول ، بان السياسة موجودة شكليا ، لكنها غائبة وظيفيا . فنجد انفسنا وجها لوحه امام تعددية بلا تنافس حقيقي، الا ما كان من خصام عن المناصب والمكاسب .
وجدير بالذكر ان كلام الدكتور ساعف لايعني في اعتقادى نهاية السياسة . بل هو تشخيص لتحولاتها ، وقد يكون فيه تحذير من مخاطر استمرار افراغها من بعدها التمثيلي ووضيفتها الصراعية .
يتبع .

في 28 دجنبر 2025

الغزاوني محمد رئيس جمعية مبادرة للمواطنة والحقوق .

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*