اقر مؤخرا البرلمان الجزائري قانونا يقضي بتجريم الاستعمار . في وقت يعلم الجميع ان خريطة الدولة الجزائرية التي يحلوا للجزائريين تشبيهها بالقارة . مقابل المغرب الذي يسترجع اراضيه ويوحد خريطته بالتدريج و وحدة وحدة .عكس تلك الخريطة التي صنعتها فرنسا وسلمتها جاهزة لحكام الجزائر. وكما هو معلوم ، الجزائر تتغنى بحدودها وترامي اطرافها على حساب اراضي جيرانها . ومن هنا جاء دفاعها عن الحدود الموروثة عن الاستعمار.وهو ما يمثل مفارقة بنيوية في الخطاب السياسي والقانوني للدولة الجزائرية … ذلك ما سنحاول النظر اليه من خلال زوايا ثلاث..
// اولا : زاوية القانون الدولى
نظام الحكم في الجزائر يختبيء وراء مبدا “احترام الحدود الموروثة عن الاستعمار ” وهو مبدا ليس له اساس في القانون الدولي ، الا ما كانت قد تبنته منظمة الوحدة الافريقية عام 1964في سياق مضطرب طبعته الحروب المدمرة بين دول افريقية بسبب الغام الحدود التي تركها الاستعمار . الا ان هذا المبدا لا يشرعن باي حال من الاحوال الحدود التي رسمها الاستعمار، بل يحاول احتواء نتائجها الجغرافية واسقاطاتها . وبمعنى آخر، فالاعتراف بالحدود الموروثة عن الاستعمار ، كان حلا اضطراريا ولم يكن ابدا موقفا اخلاقيا اتجاه تركة الاستعمار .
وفي جميع الحالات فان هذا الامر لا ينطبق كلية عن الجزائر . فحالة الجزائر اقرب الى الغدر ونكث العهود ، منه الى امر آخر. وهذا لا يحتاج الى المزيد من التوضيح بالنسبة للجزائريين وجيرانهم . خاصة منهم اهل المغرب واهل تونس وليبيا . وهذا الموضوع قد نتناوله في مقام آخر.
لكن المفارقة الجزائرية تظهر بوضوح عندما يقوم برلمان الجزائر بتجريم الاستعمار اخلاقيا وقانونيا ، وفي الوقت نفسه تختفظ الجزائر بنتائجه في “حوزتها” الترابية . واعتبارها مقدسة وغير قابلة للنقاش . وهو امر انتقائي غريب ، فهو يجمع النقيضين : الاستعمار كذاكرة مدانة و الاستعمار كاطار ترابي محصن .
// ثانيا : زاوية البحث عن استراتيجية للشرعية السياسية .
من هذه الزاوية ، لا يمكن فصل قانون “تجريم الاستعمار ” عن البحث عن ما يرمم الشرعية السياسية الداخلية .وذلك في ظرفية تاريخية طالت مدتها وتاكلت مكونات خطاباتها “الثورة التحريرية . دماء الشهداء …الخ” لقد اصبحت شعارات غير مقنعة للاجيال الصاعدة بالمجتمع الجزائري ، ولم تبق كافية وحدها لتكون مرتكزا تبريريا للحكم. ولهذا فان اقرار هذا القانون نفهمه كمحاولة لتحويل الاستعمار من حدث مر في التاريخ الى جعله ، وكأنه، فاعل سياسي حاضر ، من اجل توجيه الغضب الشعبي نحو الخارج ، خاصة بعد ان ضعفت وتاكلت لازمة المخزن ” العدوالكلاسيكي” وانفضح خطاب العداء للصهيونية واليهود .
لكن هذه الاستراتيجية يظهر بانها تتضمن اخفاءا للوجه الآخر للمسالة . والذي يلخصه السؤال الجوهري التالى :
اذا كان الاستعمار جريمة وهو كذاك . فكيف يجوز التمسك بكل ما انتجه دون تقاش ؟ ولعل هذا ما يشخص المثل الشعبي المغربي ” الذيب احرام و امصارنو حلال”
فنظام الحكم يصمت عم ذلك عمدا ويمتنع عن قبول اي تصحيح تاريخي ، لبعض الملفات الاقليمية المعروفة ، بل انه يعمل على الغاء الاتفاقيات مع الجيران التي ترسم الحدود وتجعلها منطلقا للتنمية والتعاون المشترك .كما سبق ان اكد ملك المغرب المغفورله الحسن الثاني طيب الله ثراه.
// ثالثا : زاوية التشبث بادوات الصراع الاقليمي “الحالة المغربية نموذجا ”
من هذه الزاوية تظهر تلك الانتقائية غير الموفقة منطقيا ، على ضوء الموقف الجزائري من الحدود مع المغرب .فالجزائر ترفض اي نقاش يتعلق بالحدود التي رسمها الاستعمار الفرنسي “المجرم” بل انها اصبحت تتنكر حتى للاتفاقية الموقعة مع المغرب ؛ وترفض مقتضياتها كاملة .
انه لموقف غريب قبل ان يكون اجلفا. ويتم التعتيم عليه بشعارات : الثورة ودماء الشهداء وغيرها مما يسميه الجزائريون “تشراك الفم “والحال ان مقابر تندوف و بشار تسكنها جثامين طاهرة لمقاتلى جيش التحرير المغربي . وان سكان هذه الجهة امتنعوا عن المشاركة في استفتاء تقرير مصير الجزائر الذي نظمته فرنسا وذلك لكونهم مغاربة وهذا الاستفتاء لايعنيهم …
ومقابل ذلك ومن اجل ان يعمق الجراح .قام النظام الجزائري بتوريط بلده في معاداة الوحدة الترابية للمملكة المغربية ، وبرفع شعار تقرير المصير ووصف الصحراء المغربية بانها آخر مستعمرة في افريقيا ، والكل يعرف بان النظام الجزائري الذي “يلوك هذا الكلام” يحتفظ باراض تركها له الاستعمار بعد ان كان قد اقتطعتها فرنسا من اصحابها .
وهنا تظهر المفارقة في ابهى صورها : الحدود التي تركها الاستعمار مقدسة عندما تكون في صالح الجزائر ؛ وغير مقبولة عندما يتعلق الامر بالغير .
استنتاجات عامة
سنحاول اخيرا ان نربط بين قانون تجريم الاستعمار ، وملف الصحراء وحدود الدولة الوطنية في المغرب الكبير . ذلك ان قرار البرلمان الجزائري سابق الذكر . طرح اشكالية العلاقة بين الذاكرة الاستعمارية وحدود الدولة الوطنية … فعندما نلتفت الى الخطاب الجزائري حول الاستعمار وموقفه من ملف الصحراءالمغربية ، نجد ذلك التوظيف الانتقائي للمباديء القانونية والحقائق والتاريخية . وهذا ما يثير التساؤل حول الحدود الحقيقية للدولة الوطنية بالمنطقة المغاربية .
بالنسبة للجزائر ، الحدود التي رسمتها فرنسا غير قابلة للنقاش ، حتى لو تناقضت مع منطق العدالة التاريخية باعتبارها حدود سياسة توسعية لفائدة الجزائر الفرنسية على حساب دول الجوار .
وعلى عكس الجزائر ، فالمغرب يقوم على استمرارية تاريخية للدولة الوطنية التي هي اقدم بكثير من الدولة الاستعمارية .ولهذا فانه ينظر الى الاستعمار باعتباره مرحلة عابرة وليس مصدرا للشرعية . وقد افشل المغرب مخطط الاستعمار وشركائه الاقليميين ، الرامي الى انشاء كيان سياسي جديد بالمنطقة فوق مجال ترابي بقي تاريخيا مرتبطا بالدولة المغربية بناء عل روابط البيعة والسيادة .
ان المقارنة بين المغرب والجزائر ، تكشف ان الامر لا يتعلق بالاستعمار فقط ، بل بكيفية توظيفه سياسيا كلما تطلب الامر ذلك ، وهنا يبدو ان قانون تجريم الاستعمار في الجزائر، بانه يهدف الى اعادة انتاج للشرعية و تحريك للصراع الاقليمي . وللتغطية على جريمة حراسة النظام الجزائري لمخلفات فرنسا في المغرب الكبير .
وبالمقابل ، فان المغرب يطرح تصورا مختلفا للدولة الوطنية يقوم على التوفيق بين الاستمرارية التاريخية ومتطلبات التدبير الحديث والمنفتح ، وما يتكلبه من تنوع في الاساليب ، فتوجه الى خلق منطقة مرشحة لان تكون منطقة حكم ذاتي موسع كتقرير للمصير في اطار السيادة . وهو الموقف الحكيم الذي جعل الديبلوماسية المغربية تنجح في كسب الرهان على مستوى مجلس الامن . ولعل اقرار قانون تجريم الاستعمار ليس سوى محاولة من محاولات التعتيم على ما حققه المغرب من اختراقات على مستوى حسمه لملف الوحدة الترابية الذي وظفت الجزائر في مواجهته كل امكانياتها و صرفت في سبيل ذلك اموالا طائلة من خزينة الدولة .
جمعية مبادرة للمواطنة والحقوق 2025/12/25
رئيس الجمعية 
Mobadara الرئيسية